السيد محمد باقر الصدر

80

إقتصادنا ( تراث الشهيد الصدر ج 3 )

الغرب طابعاً ديمقراطياً إصلاحياً ، فإنّ هذا التناقض لا يعبّر في الحقيقة عن الاختلاف في فهم الماركسية بمقدار ما يعبّر عن مدى محدودية المفهوم الماركسي لظروفه الاجتماعية الخاصّة ، حيث نستنتج منه أنّ الثورية الماركسية لم تكن من حقائق التأريخ المطلقة التي تكشّفت لماركس في لحظة من الزمن ، وإنّما هي تعبير عن الظروف التي عاشها ماركس ، وحين تطوّرت هذه الظروف في أوروبا الغربية وتكشّفت عن أشياء جديدة أصبحت تلك الفكرة غير ذات معنى ، بالرغم من احتفاظها بقيمتها في أوروبا الشرقية ، التي لم تحدث فيها تلك الأشياء . ولا نريد بهذا أنّنا نؤمن بأنّ كلّ نظرية لا بدّ أن تكون نابعة من الأوضاع الاجتماعية والسياسية ، وإنّما هدفنا أن نقرّر : أوّلًا : أنّ بعض الأفكار والنظريات تتأثّر بالظروف الموضوعية للمجتمع ، فتبدو وكأ نّها حقائق مطلقة ، مع أنّها لا تعبّر إلّاعن الحقيقة في حدود تلك الظروف الخاصّة . ومن تلك الأفكار والنظريات بعض مفاهيم ماركس عن التأريخ . وثانياً : أنّ جميع مفاهيم ماركس عن التأريخ يجب أن تكون - في حكم المادية التأريخية ووفقاً لنظرية المعرفة الماركسية - حقائق نسبية نابعة عن العلاقات الاجتماعية والاقتصادية التي عاصرتها ، ومتطوّرة تبعاً لتطوّرها ، ولا يمكن أن تؤخذ المادية التأريخية بوصفها حقيقة مطلقة للتأريخ ما دامت النظريات نتاجاً للظروف النسبية المتطوّرة ، كما تؤكّد ذلك الماركسية نفسها .